كيف يتشكّل خط النستعليق؟
من قلم القصب والحبر إلى الورق والصفحة
عندما ننظر إلى قطعة من النستعليق، تنجذب أعيننا عادةً أولًا إلى أشكال الحروف، والكشيدات، وميل السطور، والتوازن بين سواد الكتابة وبياض المساحة. لكن قبل أن تظهر هذه الأشكال، يكون شيء آخر قد حدث بالفعل: تحرّك القلم فوق الورق، ونقل الحبر إليه، واستجاب سطح الورق لهذا التلامس.
كل ضربة قلم في النستعليق هي نتيجة هذا اللقاء الحقيقي بين اليد والأداة والمادة.
يمكن لطرف القلم أن يسجّل جزءًا من الحركة رفيعًا وجزءًا آخر عريضًا. ويجب أن ينسجم الحبر مع إيقاع الحركة حتى تتكوّن ضربة القلم كاملة ومتصلة. كما يمكن للورق، بحسب خشونته وامتصاصه وطريقة تجهيز سطحه، أن يغيّر حركة القلم وكيفية استقرار الحبر.
لكن أيًا من هذه العوامل لا يصنع النستعليق بمفرده.
فالقلم نفسه لا يعطي النتيجة ذاتها في يد خطاطين مختلفين، وأفضل أنواع الورق لا تتحول إلى عمل خطي من دون معرفة بالشكل والإيقاع والتركيب. وما نراه في النهاية هو نتيجة علاقة بين اليد والأداة والمادة والقرار الفني.
قبل الشكل توجد المادة
في الخط، ليست الأداة مجرد وسيلة تنفّذ قرارًا تشكّل مسبقًا بصورة كاملة. فالأداة نفسها تؤثر في ما يمكن فعله.
الأدوات والمواد تخلق بالأحرى شروط الحركة. تجعل بعض الحركات أسهل، وبعضها أصعب، وبعضها شبه غير مناسب. وعلى الخطاط أن يعرف سلوك هذه العناصر وأن يضبطه.
وتصبح هذه المسألة أكثر أهمية عند دراسة الأعمال التاريخية. فما نراه اليوم في متحف أو صورة رقمية ليس بالضرورة هو المظهر الذي كان عليه العمل في يومه الأول.
فالضوء والرطوبة والاحتكاك وأكسدة المواد والترميم، وحتى إعادة تركيب الحواشي، يمكن أن تغيّر لون الورق ودرجة سواد الحبر وحدّة الحواف. والصورة مفيدة جدًا لرؤية الشكل، لكن لا يمكن اعتمادها وحدها للحديث بيقين عن جميع مواد العمل.
قلم القصب؛ عندما تتحول حركة اليد إلى خط
كان قلم القصب من أهم أدوات الخط في التقاليد الإيرانية والإسلامية.
لكن الحديث عن قلم القصب لا يتعلق بمادته وحدها. فقطر القصبة، وسماكة جدارها، وصلابتها أو مرونتها، وعرض السن، وشكل القطّ، وحتى مقدار اهتراء القلم يمكن أن يغيّر سلوكه.
كيف تتشكل سماكة الخط؟
من السمات الواضحة في النستعليق الانتقال المستمر بين الأجزاء الرفيعة والعريضة.
ويأتي جزء من هذا التغير من شكل سن القلم. فعندما يتغير اتجاه حركة اليد بالنسبة إلى الحافة المائلة للقلم، تتغير مساحة السطح الملامس للورق أيضًا. وبهذا يمكن للكتابة أن تنتقل في حركة واحدة من الرفيع إلى العريض.
لكن الأمر لا يتعلق بهندسة السن وحدها. فضغط اليد، وسرعة الحركة، والدوران الطفيف للقلم، وكمية الحبر الموجودة على سنه، كلها تؤثر في النتيجة.
ولهذا فإن ما نراه في النهاية هو حصيلة علاقة بين عوامل متعددة.

الحبر؛ كيف تبقى الحركة على الصفحة؟
القلم يصنع الحركة، لكن الحبر هو الذي يثبّتها على الورق.
يُحفظ الحبر عادة في الدواة. وقد توضع داخلها «الليقة»، وهي مادة ماصّة تحتفظ بالحبر وتساعد على وصول كمية أكثر انتظامًا منه إلى سن القلم.
قد تبدو هذه التفاصيل صغيرة في البداية، لكنها تؤثر عمليًا في ثبات تدفق الحبر.
فإذا وصل الحبر إلى سن القلم بصورة غير منتظمة، فقد تنتج حتى حركة اليد الصحيحة ضربة غير متصلة.
لم تكن هناك وصفة واحدة للحبر التقليدي
يُتحدث أحيانًا عن «الحبر التقليدي» كما لو أن وصفة ثابتة واحدة استُخدمت في جميع العصور. لكن المصادر التاريخية لا تقدم مثل هذه الصورة.
تظهر في الرسائل المختلفة تركيبات تضم السخام ومواد كربونية أخرى، والصموغ، والعفص، والزاج، ومواد أخرى.
كما تميّز الدراسات التقنية بين أنواع مثل الأحبار الكربونية وأحبار الحديد والعفص وغيرها من التركيبات.
ولا تتعلق هذه الفروق بالكيمياء وحدها، بل يمكن أن يختلف سلوك الحبر أيضًا.
فبعض الأحبار يبقى بدرجة أكبر على السطح، وبعض المواد يمكن أن تنفذ إلى داخل الورق، وبعض التركيبات، مثل أحبار الحديد والعفص في ظروف معينة، قد تضر بالورق بمرور الزمن.
لكن لا يمكن تحديد نوع الحبر في عمل تاريخي من لونه الأسود وحده.
فعبارة بسيطة مثل «حبر على ورق» في فهرس متحف لا تعني أن التركيب الكيميائي للحبر قد حُدّد. ومثل هذا التعرف يحتاج إلى فحص تقني للعمل نفسه. وسيُنشر مستقبلًا مقال أكثر تفصيلًا عن كيمياء الحبر.

مير عماد الحسني؛ 1017هـ / 1608–1609م؛ حبر وألوان مائية معتمة وذهب على ورق؛ متحف المتروبوليتان للفنون؛ رقم 46.126.3؛ ملك عام.
ورقة أشعار بخط مير عماد الحسني، 1017هـ / 1608–1609م، متحف المتروبوليتان للفنون.
الورق؛ ليس مجرد خلفية
غالبًا ما نرى الورق بوصفه خلفية للخط، مع أنه جزء من عملية تشكل العمل نفسه.
فبنية الألياف، ودرجة الامتصاص، والخشونة، واللون، وطريقة معالجة السطح، كلها يمكن أن تؤثر في حركة القلم وكيفية تسجيل الحبر.
وتبيّن الأبحاث حول تاريخ الورق في العالم الإسلامي أن كثيرًا من الأوراق السابقة للعصر الحديث كانت تُصنع من ألياف نباتية ونسيجية، لا من عجينة الخشب الصناعية الشائعة اليوم.
لون الورق أيضًا جزء من العمل
لون الورق التاريخي ليس دائمًا نتيجة التقادم.
في تقاليد فنون الكتاب الإيرانية كان استخدام الورق الملوّن اختيارًا واعيًا. فاللون يمكن أن يغيّر مقدار التباين بين الخط والخلفية، وأن يؤثر في إدراك المساحات الخالية.
في قطعة لسيد أمير علي على ورق أبري، لا تمثل الأرضية المعرّقة مجرد خلفية محايدة. فالعروق الملونة حاضرة إلى جانب الكتابة وتؤثر في العلاقة بين سواد الخط والفضاء المحيط به. كما يسجل المتحف العمل بوصفه «حبرًا أسود على ورق أبري».

سيد أمير علي؛ منتصف القرن السابع عشر؛ الهند؛ حبر أسود على ورق أبري؛ متحف المتروبوليتان للفنون؛ رقم 1999.356؛ ملك عام.
الآهار والصقل؛ إعداد السطح للقلم
كان سطح كثير من أوراق الخط يُجهّز قبل الكتابة.
«الآهار» مادة أو عملية تُستخدم لتغيير سلوك سطح الورق. ويمكن أن يقلل امتصاص السوائل، ويزيد تماسك السطح، ويغيّر طريقة استقرار الحبر عليه.
أما الصقل أو «المهرهزني» فهو عملية تنعيم السطح وتلميعه. وبه تقل خشونة الورق ويقل احتكاك القلم ببروزات الألياف.
وعندما نتحدث عن الورق «الآهار والمصقول»، فلا ينبغي أن نتصوره منتجًا تاريخيًا له تركيبة ثابتة تمامًا.
فقد أظهرت المصادر والدراسات المخبرية أن النشا لم يكن المادة الوحيدة المستخدمة في الآهار، وأن مواد نباتية أخرى مثل الصموغ، وحتى مواد مثل بياض البيض، ظهرت في بعض المصادر والعينات المدروسة.
عندما يعمل عدة فنانين على صفحة واحدة
في المخطوطات المصوّرة، كان إنتاج العمل قد يكون ثمرة تعاون الناسخ والرسام والمذهّب وأفراد آخرين في الورشة.
وهذا يعني أن الصفحة، حتى قبل انتهاء الخطاط من عمله، كانت جزءًا من بناء أكبر.
وكان يجب أحيانًا تنظيم مواقع السطور والأعمدة والعناوين والصور بحيث تسمح بتنفيذ المراحل اللاحقة أيضًا.
وهذا مهم لفهم النستعليق، لأنه يبيّن أن الكتابة لم تكن تُنشأ دائمًا بوصفها عنصرًا منفصلًا ومستقلًا عن الصفحة.
في المخطوط، كانت حركة القلم جزءًا من التنظيم العام للكتاب. ويمكن رؤية ذلك في عدد من نسخ الشاهنامه التي أُنجزت في فترات تاريخية مختلفة، ومنها شاهنامه بايسنغري الشهيرة.
ولـ«المرقع» أهمية مشابهة من هذه الناحية. فقد تُجمع قطع أُنجزت في أزمنة وأماكن مختلفة لاحقًا داخل ألبوم واحد.
ولهذا فإن الورق والحواشي التي نراها اليوم حول قطعة ما ليست بالضرورة هي نفسها التي كانت موجودة عند كتابة العمل.
التاريخ وسجل المتحف والمختبر وتجربة اليوم ليست شيئًا واحدًا
لدراسة مواد وأدوات الخط التاريخي، نملك أنواعًا مختلفة من المصادر، لكن كل نوع منها يمنحنا نوعًا مختلفًا من المعلومات.
يمكن لرسالة تاريخية أن تخبرنا بالطريقة التي كان أستاذ في زمنه يراها صحيحة أو مرغوبة.
ويمكن لعمل متحفي أن يبيّن ما تم تسجيله من أشكال ومواد في نموذج بعينه.
وقد يحدد التحليل المختبري تركيب تلك المواد بدقة أكبر.
كما يمكن لتجربة خطاط معاصر أن توضّح كيف تتصرف طريقة معينة في الممارسة اليوم.
تبدأ المشكلة عندما نتعامل مع هذه الأنواع الأربعة من الشواهد وكأنها شيء واحد.
فإذا كان خطاط اليوم يقطع قلمه بطريقة معينة للوصول إلى جودة محددة، لا تثبت هذه التجربة وحدها أن خطاطي هراة أو أصفهان كانوا يفعلون الشيء نفسه تمامًا.
وبالمثل، إذا أوصت رسالة بطريقة ما، فلا يمكن أن نستنتج أن جميع أساتذة ذلك العصر اتبعوا تلك الوصفة.
قد يبدو هذا الفصل بحثيًا، لكن نتيجته العملية بسيطة: أن نتحدث بدقة عما نعرفه، وألا نصنع قصصًا عما لا نعرفه.
كيف تتحول المادة إلى شكل؟
حتى الآن تحدثنا عن القلم والحبر والورق كلًّا على حدة، لكن هذه العوامل ليست منفصلة في العمل الحقيقي.
إنها تتحول معًا إلى شكل ضمن عملية واحدة.
السماكة والدقة
يبدأ تغير السماكة من شكل سن القلم. ويغيّره اتجاه اليد وضغطها. ويجب أن يسجّل الحبر هذا التلامس كاملًا.
كما يجب أن يسمح الورق ببقاء حافة الضربة بالشكل المناسب.
ولهذا فإن الجزء العريض في النستعليق هو نتيجة القلم وحركة اليد والحبر والسطح الذي سُجلت عليه الحركة معًا.
الإيقاع
لا يتكون إيقاع النستعليق من المسافات بين الحروف والكلمات وحدها.
فتوقفات اليد، ورفع القلم ووضعه، وتوقيت أخذ الحبر، وسرعة الحركة، وحتى مقاومة سطح الورق، كلها تدخل في تجربة الإيقاع.
وقد يوقف السطح غير المستوي الحركة. كما يمكن لقلم مهترئ أو حبر غير متوازن أن يسببا تغيرًا غير مقصود في الضربة.
والخطاط المتمرّس يتوقع جزءًا من هذه السلوكيات ويعوّض عنها.
ولهذا لا يمكن وضع المهارة والمادة في مواجهة بعضهما. فكلاهما حاضر في تشكل العمل.
السواد والبياض
في الخط، يشير «السواد» إلى الجزء المكتوب والداكن من الصفحة، بينما يشير «البياض» إلى الفراغ الأبيض بينه وحوله.
وفي النستعليق تُنظّم العلاقة بينهما من خلال الكشيدات، والمسافات بين السطور، وكثافة الكلمات، وحركة «الكرسي»، أي خط الأساس التصوري.
لكن نوعية المادة تؤثر أيضًا في إدراك هذه العلاقة.
فالكتابة شديدة السواد والكثافة تحمل وزنًا بصريًا أكبر. كما يمكن للون الورق أن يزيد شدة التباين أو يقللها.
ولا تحل هذه العوامل محل القرار التركيبي للخطاط، بل تغيّر فقط شروط رؤية ذلك القرار.
هل النستعليق نتاج اليد أم الأداة؟
إذا أردنا تلخيص هذا النقاش كله في سؤال بسيط، فقد يكون هذا هو السؤال:
هل تأتي جودة النستعليق من يد الخطاط أم من الأدوات؟
لا يمكن فصل الاثنين.
القلم يوفّر مجال الحركة. والحبر يسجلها. والورق يغيّر شروط التلامس. وإعداد الصفحة يحدد موضع الكتابة.
لكن الخطاط هو الذي يجب أن يعرف كل هذه العوامل، ويوازن بينها، ويضعها في خدمة الشكل.
إذًا فالنستعليق ليس «عمل القلم» وحده، ولا مجرد «مهارة اليد».
يتشكل العمل عندما تدخل اليد والقلم والحبر والورق والصفحة والتقليد في علاقة مع بعضها.
وهذه النظرة تساعدنا على رؤية جمال النستعليق بدقة أكبر.
خلف الكشيدة المنسابة ليست مهارة اليد وحدها. وخلف الحافة الواضحة ليست جودة الورق وحدها. وخلف سواد متجانس ليست وصفة الحبر وحدها.
كل منها نتيجة عملية تحضر فيها عوامل متعددة في الوقت نفسه.
ولعل فهم هذه العملية هو ما يقربنا من الانتقال من مجرد رؤية «خط جميل» إلى فهم كيفية صنعه.
المصادر
Sheila S. Blair. Islamic Calligraphy. Edinburgh University Press, 2006.
سلطانعلی مشهدی. صراطالسطور، ۹۲۰ق/۱۵۱۴م.
Penley Knipe, Georgina Rayner, Katherine Eremin, Marc Walton, Agnese Babini, et al. “Materials and Techniques of Islamic Manuscripts.” Heritage Science 6, 55 (2018).
Mandana Barkeshli. “Material Technology and Science in Manuscripts of Persian Mystical Literature.” Manuscript Cultures 8 (2015): 187–214.
National Museum of Asian Art, Smithsonian. Nastaʿlīq: The Genius of Persian Calligraphy, 2014.
Encyclopaedia Iranica. مداخل: CALLIGRAPHY، QALAM، ĀDĀB AL-MAŠQ وKALHOR.
Sadra Zekrgoo. “Methods of Creating, Testing and Identifying Traditional Black Persian Inks.” Restaurator 35, no. 2 (2014): 133–158.
François Déroche et al. Islamic Codicology: An Introduction to the Study of Manuscripts in Arabic Script. Al-Furqan Islamic Heritage Foundation, 2006.
Mandana Barkeshli. “Historical and Scientific Analysis on Sizing Material Used in Iranian Manuscripts and Miniature Paintings.” Book and Paper Group Annual 22 (2003): 9–16.
Alireza Koochakzaei and Tahereh Ghaffari. “Identification of Traditional Black Persian Inks by Spectroscopic and Spectral Imaging Techniques.” Vibrational Spectroscopy 127 (2023): 103545.
Mandana Barkeshli et al. “European Ink Recipes Found in ‘Ali Hosseini’s 19th-Century Kashf al-Sanaye.” Restaurator (2022).
Bodleian Libraries. Persian Recipes: From Dyeing Paper to Black Inks.
Jonathan M. Bloom. Paper Before Print: The History and Impact of Paper in the Islamic World. Yale University Press, 2001.
Jonathan M. Bloom. “PAPER i. Paper in the Iranian World Prior to Printing.” Encyclopaedia Iranica.
Mandana Barkeshli. “Historical and Scientific Analysis on Sizing Material Used in Iranian Manuscripts and Miniature Paintings.” 2003.
Mandana Barkeshli. “Material Technology and Science in Manuscripts of Persian Mystical Literature.” 2015.
Penley Knipe et al. “Materials and Techniques of Islamic Manuscripts.” 2018.
Adam Gacek. Arabic Manuscripts: A Vademecum for Readers. Brill, 2009.
Elaine Wright. The Look of the Book: Manuscript Production in Shiraz, 1303–1452. 2012.
Marianna Shreve Simpson. Sultan Ibrahim Mirza’s Haft Awrang. Freer Gallery of Art, 1997.
David J. Roxburgh. Prefacing the Image: The Writing of Art History in Sixteenth-Century Iran. Brill, 2001.
Encyclopaedia Iranica. “KALHOR.”
Mandana Barkeshli et al. “European Ink Recipes…” 2022.



النقاش حول العمل · المقال
0